ابن كثير
157
السيرة النبوية
فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي ، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت : يا رسول الله ما عندك من علم الغيب ؟ فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أنى أبتغي لسقطه ، فقال : " ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله " وأشار بيده . قلت : وما هي ؟ قال : " علم المنية ، قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه ، وعلم [ المنى حين يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمون ] ( 1 ) وعلم ما في غد وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه ، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مسنتين ( 2 ) فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قريب " . قال لقيط : قلت لن نعدم من رب يضحك خيرا . وعلم يوم الساعة . قلنا : يا رسول الله علمنا مما لا يعلم الناس ومما تعلم ، فإنا من قبيل لا يصدقون تصديق ( 3 ) أحد ، من مذحج التي تربو علينا وخثعم التي توالينا وعشيرتنا التي نحن منها . قال : تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم ، ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة ، لعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شئ إلا مات ، والملائكة الذين مع ربك فأصبح ربك عز وجل يطوف في الأرض قد خلت عليه البلاد ، فأرسل ربك السماء تهضب من عند العرش ، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلقه من عند رأسه ، فيستوى جالسا ، فيقول ربك عز وجل : مهيم ؟ لما كان فيه - فيقول : يا رب أمس اليوم ، فلعهده بالحياة يحسبه حديثا بأهله . قلت : يا رسول الله كيف يجمعنا بعد ما تفرقنا الرياح والبلى والسباع . فقال : أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله ، في الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت لا تحيا أبدا . ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك أيام حتى أشرفت عليها
--> ( 1 ) من مسند أحمد 4 / 13 . ( 2 ) الأزل : الشدة . والمسنتين : من أصابتهم السنة وهي القحط . ( 3 ) الأصل والمسند : تصديقنا .